الاستحقاق بوصلة معرفة الذات ..
التصنيف: مقالات
التاريخ: 20 يناير 2026
عدد المشاهدات: 1026
← العودة للمشاركات

في إحدى جلسات الإرشاد التي كنت أتحدث فيها عن تطوير الذات مع المشاركات، كنا نستعرض الخطط والعادات والأدوات المختلفة لتطوير الذات، وكل ما يرتبط بتحسين جودة الحياة والانتقال من مرحلة إلى آخرى، إلى أن قالت إحدى المشتركات بهدوء صادق: "المشكلة مو في آلية تطوير الذات عندي، المشكلة إني ما أعرف ذاتي ولا أعرف ايش تستحق!"

سؤالها لم يكن عابراً ، كان جرس استيقاظ.. ليس لها فقط، بل لي أنا ايضاً، أنا التي أتحدث دائماً عن تطوير الذات وتحسين جودة الحياة، نسيت فقرة أساسية جداً..

نسيت أنه ما بني على باطل فهو باطل.. فكيف أطلب تطوير شيء لا أعرف قيمته؟ وكيف أرفع جودة حياة لم أحدد أساساً ما الذي استحقه بها ؟

كثيرون يملكون أدوات تطوير، لكنهم يفتقدون بوصلة الاستحقاق، يطورون أنفسهم بدافع النقص لا بدافع المعرفة، ويركضون خلف نسخة أفضل دون أن يتوقفوا ليسألوا من أنا فعلاً وماذا أستحق.

في تلك الجلسة أدركت أن توجهي كان يحتاج إعادة ترتيب، ليس تطوير الذات أولا، بل استحقاق الذات، أن يعرف الانسان قيمته وحدوده، ما يقبله وما لا يقبله، ما يناسبه وما يرهقه حتى لو بدا جميلاً، فالذات التي لا تعرف قيمتها قد تطور، لكنها تستنزف.

الاستحقاق ليس رفاهية فكرية، بل اساس. هو ان تسال نفسك بصدق: هل هذا التطوير يخدمني ام يحاول إصلاح شيء لم افهمه بعد؟ هل أسعى للتحسين لأنني أستحق الأفضل ام لأنني لا أشعر أنني كاف؟

منذ تلك الجلسة تغير السؤال، لم يعد كيف نطور ذواتنا، بل كيف نعرفها أولاً، وكيف نكرمها ونعرف بيقين ماذا تستحق فعلاً، ومن هنا فقط يصبح التطوير حقيقياً، وجودة الحياة صادقة، والرحلة متزنة.

رفع الاستحقاق لا يحتاج قفزات كبيرة ولا شعارات عالية، بل عودة صادقة وهادئة للذات. قبل أي خطوة تطوير أو تحسين،

إسال نفسك: هل ما أفعله نابع من فهم حقيقي لذاتي ام من محاولة إثبات أو تعويض؟

فالإستحقاق يبدأ حين نعرف لماذا نتحرك، لا كيف نتحرك فقط.

راقب شعورك تجاه العطاء. عندما يأتيك خيرٌ، وحين تشعر بتوتر أو ذنب،

توقف قليلاً وإسال نفسك: هل أسمح لنفسي أن تستقبل؟ قبول العطاء هو أحد أشكال إحترام الذات.

حدد ما لا تستحقه. فأحياناً يرتفع الإستحقاق ليس بما نطلبه، بل بما نرفضه بهدوء، كعلاقة تضغطك، أو توقع يستنزفك، أو دور لا يشبهك.

واربط إستحقاقك بعطايا الرحمن، فحين تدرك أن الله يعطيك لأنه كريم لا لأنك كامل، يهدأ داخلك ويثبت شعورك بأنك أهل للخير دون تبرير.

وفي النهاية، الإستحقاق ليس فكرة نتعلمها، بل علاقة نعيد بناءها مع أنفسنا، ومن هنا فقط يصبح تطوير الذات حقيقياً، وتتحسن جودة الحياة، لأنها بنيت على معرفة وقيمة واضحة.

← العودة للمشاركات