نهاية اليوم..
غرفة هادئة، اضاءة خافتة، صوت التلفاز منخفض، وصوت نفسك يعلو عليه .. كوب كان دافئ بين يديك لا ينعش ما في داخلك.
شبه مستلق على الكنبة، حاضر بجسدك، لكن داخلك مثقل بحمل لا تتذكر متى بدأ .. وصوت خجول منهك يردد :" انا ماعدت اقدر !"

لا حزن واضح، ولا مشكلة محددة، فقط إنهاك عميق كأن طاقتك استنزفت بالكامل. هذا الإحساس لا يأتي من فراغ، وغالبًا ليس احساس عابر كما نحب أن نعتقد.
كثيرون يعيشون هذه اللحظة دون أن يعرفوا ماهيتها، ودون أن ينتبهوا أنهم يلامسون أحد أشكال الاحتراق العاطفي .. ذلك الإرهاق النفسي والعقلي والجسدي الذي يتراكم بهدوء حين نعطي أكثر مما نحتمل ونؤجل ذواتنا أكثر مما ينبغي.
الاحتراق العاطفي لا يظهر فجأة، بل يبدأ بإشارات صغيرة: توتر لا يشبهك، ثقل لا تعرف مصدره، ومشاعر لا تخصك تلتقطها لأنك قريب أو لأنك اعتدت أن تكون المتفهم دائمًا، إلى أن تصل لمرحلة لا تكون فيها متاحا حتى لنفسك!
وهنا يبدأ الاحتراق النفسي، حين تدخل ضغوط الخارج إلى داخلك دون وعي، وتستقر هناك، وتتعامل معها كأنها جزء منك.
الاحتراق العاطفي لا يعني ضعفك، بل غالبًا يعني أنك أعطيت كثيرًا دون أن تنتبه لما تحتاجه أنت ،أعطيت وقتك وتعاطفك وحضورك ،وأحيانًا صمتك!
ولم تسأل نفسك: هل ما زال لدي ما يكفي؟
من أكثر الأسباب شيوعًا لهذا الاحتراق غياب الحدود النفسية، والشعور بالمسؤولية عن مشاعر الآخرين، والخوف من التقصير أو الرفض، والاستمرار في العطاء رغم الإرهاق، وتجاهل إشارات الجسد والنفس. ومع الوقت يتحول التعب إلى فتور ، والفتور إلى ثقل ،والثقل إلى شعور بالعجز.
لا يخفف هذا الاحتراق قرارًا حادًا ولا انسحاب مفاجئ، بل وعي هادئ وخطوات بسيطة تبدأ بأن تتوقف قليلا لا للهروب، بل للمراجعة. أن تنظر خلفك وترى الطريق الذي سلكته وتسأل نفسك بصدق: هل يشبهني هذا الطريق؟ هل يحقق أهدافي؟ هل يقودني إلى وجهة اخترتها أنا أم إلى ما اعتاد الآخرون أن يتوقعوه مني؟
خذ نفسا عميقا، ليس لتتحمل أكثر، بل لتخفف الحمل، ثم أعد ضبط إيقاعك، خفف ما لا يلزم، راجع أدوارك، وتعلّم أن تقول ليس الآن دون شعور بالذنب. اسمح لنفسك أن تكمل الطريق بالطريقة التي تراها مناسبة لك، لا بالطريقة التي يراها الآخرون صحيحة.
ضع حدودًا تحميك، واستمع لإشارات جسدك ونفسك، فهي أول من يخبرك أن الوقت قد حان للتوقف أو للتعديل. التخفيف لا يعني التراجع، بل يعني السير بوعي وبطاقة تحترمك وباتجاه يشبهك.
الاحتراق العاطفي لا يختفي بسرعة، لكنه يهدأ حين تبدأ بالإنصات ،وحين تمنح نفسك ذلك الاهتمام الذي اعتدت أن تمنحه للجميع، وحين تدرك أن الاعتناء بذاتك ليس أنانية بل ضرورة للاستمرار.
وفي المرة القادمة حين تجلس نهاية اليوم على كنبة غرفتك ويزورك ذلك الثقل، لا تقاومه ،تعرف عليه .. خذ نفس عميق وعد بهدوء إلى ذاتك واسأل نفسك: ماذا احتاج الأن ؟ وماذا سيسعدني ؟ واختر هذه المرة أن تكون حاضرًا لنفسك أيضاَ لانك تستحق.