العطاء والامتلاء
التصنيف: مقالات
التاريخ: 02 مارس 2026
عدد المشاهدات: 1104
← العودة للمشاركات

أتعرف متى بدأت أفهم معنى العطاء؟

ليس يوم أعطيت كثيراً

بل يوم تساءلت لماذا بعض العطاء يريحنا وبعضه يتعبنا! 

كنت أظن مثل أغلب الناس أن العطاء محصور بشيء واحد .. وأن من يعطي أكثر هو الأطيب !  وأن كل من يقدم معروفا قلبه بالأغلب أبيض!

حتى اكتشفت شيئا صغيرا جدا ..لكنه غير نظرتي بالكامل!

فالإنسان لا يعطي مما يملك .. إنما الإنسان يعطي مما هو ممتلئ به

قد يعطي مالا لكنه في الحقيقة يعطي خوفا من الفقد!

وقد يعطي اهتماما لكنه في الحقيقة يطلب طمأنينة!

وقد يعطي نصيحة لكنه يحاول أن يثبت لنفسه أنه على صواب!

لذلك أحيانا.. 

نخرج من بعض الجميل مثقلين، ومن بعض الكلمات الحسنة متعبين،

وكأن شيئا غير مرئي وضع على صدورنا.

لأن ما وصلنا لم يكن الشيء الظاهر ..بل الشعور المختبئ داخله

هناك من يعطيك هدية ،لكن يوصل لك معها شعور أنك مدين له للأبد!

وهناك من يعطيك كلمة صادقة واهتماما فقط ،فتشعر أنك خفيف كأن أحدا حمل عنك نصف حياتك.

الفرق ليس في حجم العطاء ..بل في نية القلب لحظة العطاء.

فالعطاء الحقيقي لا يشعرك أنك صغير  

ولا يذكرك بفضل صاحبه  

ولا ينتظر منك ردا مرتباً

العطاء الحقيقي يشبه المطر ، يسقط ثم يمضي..

ولا يطرق الأبواب ليسأل ! هل تذكرون أني من سقاكم؟

ومع الأيام فهمت سرا آخر!

النية عطاءك لا تغير الأجر فقط ، بل تغير أثر العطاء عليك أنت أولا.

فمن يعطي ليُرى.. يعيش مراقباً ..

ومن يعطي ليُشكر..  يبقى منتظراً ..  

ومن يعطي ليملك القلوب.. يبقى خائفاً من فقدها..

أما من يعطي لأنه ممتلئ.. فهو أول المستريحين،

لأن العطاء في حقيقته ليس حركة يد ! بل حالة قلب .

وكما العطاء الطيب يعود لصاحبه .. العطاء المؤذي يعود لصاحبه أيضاً.

قد لا يعود من نفس الأشخاص .. ولا بنفس الشكل !

لكن الحياة دقيقة على نحو عجيب ، تعيد لكل إنسان الشعور الذي زرعه في قلب أحدهم.

فمن زرع أماناً .. سيجده يوما حين يحتاجه!

ومن زرع ضغطاً .. سيجده دون أن يعرف من أين جاءه!

لهذا ليست المشكلة أن نعطي أو لا نعطي ! المهم ماذا ننوي فيما نعطي.

فبعض الناس يعطي وردة  

وبعضهم يعطي معها شوكا خفياً

وبعضهم يعطي دعاء صادقاً في الخفاء  

فتفتح له أبواب لم يطرقها أصلا

وأجمل ما فهمته أخيراً..

أن العطاء الطيب لا يغير حياة الآخرين فقط ..

بل يعيد ترتيب روح صاحبه بهدوء ،وكأن الله لا يرد لك العطاء شيئاً خارجياً فحسب ،بل يرده أولاً سكينة في صدرك  

وهذا أعظم العوض.

لهذا…

لا تعط لأنك مضطر  

ولا لأن صورتك تحب ذلك  

ولا لأنك تخاف أن ترفض

أعط فقط عندما يمتلئ قلبك

فالعطاء ليس ما يخرج من يدك!

العطاء الحقيقي .. هو ما يخرج من نفسك ثم يعود إليك دون أن تشعر.

← العودة للمشاركات