أحيانًا… لا يكون أكثر ما يؤلم الإنسان هو ما حدث له، بل ما اضطر أن يصبحه بعد ما حدث.
تلك النسخة التي تعلمت أن تهدأ قبل أن تفهم، وأن تبتسم قبل أن تحتوى، وأن تكون “بخير” حتى لا تثقل على أحد.

هناك صدمات لا تأتي بصوت عال، ولا تترك أثراً واضحاً يراه الناس، لكنها تستقر في الداخل بهدوء، ثم تظهر لاحقاً في طريقة حبنا، وخوفنا، وصمتنا، وإنسحابنا.
قد يكبر الإنسان وهو لا يعرف لماذا يتعب من العلاقات، لماذا يخاف من القرب رغم حاجته له، ولماذا ينسحب سريعاً من الأماكن التي لا يشعر فيها بالأمان.
وقد يظن أن المشكلة فيه..!
بينما الحقيقة أن هناك جزءاً صغيراً داخله، ما زال ينتظر أن يطمأن، وأن يُقال له: “لم يكن عليك أن تحمل كل هذا وحدك.”
بعض الناس لم يتعلموا أن يطلبوا، بل تعلموا أن يتحملوا.
لم يتعلموا أن يقولوا: “أنا أحتاج”، بل تعلموا أن يقولوا: “لا بأس.”
ومع الوقت…
تصبح القوة عادة، والصمت لغة، والانسحاب طريقة للنجاة.
لكن الصدمات لا تحتاج دائماً إلى أن تُمحى، أحياناً تحتاج فقط أن تفهم.
أن نقترب من أنفسنا بهدوء،
ونسأل ذلك الجزء المتعب فينا: متى بدأت تخاف؟ ومتى قررت أن تكون قوياً لهذه الدرجة؟ ومن أقنعك أن قيمتك فيما تقدمه، لا فيما تشعر به؟
الشفاء لا يعني أن نعود كما كنا، بل أن نعود إلينا، بعد سنوات طويلة قضيناها في محاولة أن نكون مناسبين للجميع.
أن نكتشف أن التعب لم يكن ضعفاً، وأن الحساسية لم تكن مبالغة، وأن حاجتنا للاحتواء لم تكن عيباً.
وأننا لا نحتاج أن نظل دائماً العاقلين، الهادئين، والذين يفهمون كل شيء دون أن يفهمهم أحد!
هناك لحظة في رحلة الوعي، يدرك فيها الإنسان أن عليه أن يتوقف عن إنقاذ الجميع، ليعود أخيراً إلى نفسه.
لا بقسوة، ولا بقطيعة، ولا بغضب يحرق ما حوله،
بل بحدود هادئة تقول: “أنا أحب، لكنني لن أفقد نفسي لأثبت ذلك”
وهنا تحديداً، يبدأ الإنسان بفهم أثر ما مر به..
ليس ليبقى أسيراً له، بل ليتحرر منه.
ليعرف أن ما حدث له كان جزءاً من قصته، لكنه ليس كل هويته.
وأن الطفل الذي اضطر أن يكبر سريعاً، يستحق اليوم أن يرتاح قليلاً، وأن يجد في داخله مكاناً آمناً يعود إليه كلما أثقلته الحياة.
فالشفاء الحقيقي لا يبدأ عندما نصبح أقوى أمام الناس، بل عندما نصبح أرحم بأنفسنا.
عندما نكف عن جلد ذواتنا، وعن تفسير كل تعب وكأنه نقص فينا، وعن محاولاتنا المستمرة لنكون كافيين للجميع.
لأن الإنسان لا يشفى وهو يطارد القبول، ولا وهو يثبت قيمته لمن اعتاد أن يأخذ منه أكثر مما أعطى..
يشفى الإنسان حين يفهم أن قيمته لم تكن يوما في قدرته على التحمل، ولا في صمته، ولا في كونه مصدر أمان لكل من حوله.
بل في كونه إنساناً كاملاً، له حق أن يتعب، وأن يختار نفسه، وأن يحب دون أن يضطر دائماً لأن يدفع ثمن هذا الحب من روحه.