الخذلان الأكبر
التصنيف: مقالات
التاريخ: 01 يوليو 2026
عدد المشاهدات: 3235
← العودة للمشاركات

هناك نوع من الخذلان لا يأتي من الوعود الكبيرة،

ولا من الأحلام المستحيلة،

بل من التفاصيل الصغيرة التي ظننا أنها لا تحتاج إلى طلب.

من رسالة لم تصل..

وسؤال غاب..

واهتمام تأخر.. 

وموقف كان يكفي ليترجم مشاعر: “أنا أراك… وأقدرك”

فالمؤلم ليس أن التوقعات كانت عالية،

بل أنها كانت في غاية البساطة… ومع ذلك، لم تتحقق!

فالمؤلم حقا أن بعض الناس لا يرفع سقف توقعاته أصلا.

فلا ينتظر المستحيل، ولا يطلب الكثير، بل يكتفي بالقليل جداً… ومع ذلك يخذل..

وكأن الحياة لا تكتفي أحياناً بكسر القلب،

بل تُصر أن تدهس حتى ذلك الجزء الصغير الذي كان يحاول دائما أن يكون متفهما، مرنا، ومتسامحا.

عندها فقط تدرك أن أكثر الناس عطاءً… هم أكثرهم عرضة للخذلان، لأن الناس يعتادون وجودهم وعطاءهم، حتى يصبح ما يقدمونه أمراً مفروغا منه، لا يُشكرون عليه ولا يقدر !

الشخص الذي يعطي دائماً،

يسامح دائماً،

يبادر دائماً،

ويهتم دائماً…

قيتحول مع الوقت في نظر البعض إلى شيء ثابت،

مثل الهواء… موجود، فلا أحد ينتبه له.

لا لأن عطاؤه قليل القيمة،

بل لأن تكراره جعل الآخرين ينسون أنه اختيار وليس واجباً.

وهنا يبدأ التعب الحقيقي…

حين يتحول قلب الإنسان من هديةٍ… إلى عادةٍ عند الآخرين.

في البداية يعطي الإنسان بحب، ثم يعطي لأنه اعتاد، ثم يعطي لأنه لا يريد أن يشعر أحداً بالنقص…

إلى أن يأتي يوم يكتشف فيه أنه الوحيد الذي كان يحمل العلاقة على كتفه!

وأن أبسط ما كان يحتاجه لم يكن رد الجميل، ولا المعاملة بالمثل حرفياً، بل شعوراً صغيراً بأنه مقدر.

لأن التقدير ليس رفاهية في العلاقات الإنسانية… بل أكسجين.

والاهتمام ليس ترفاً… بل لغة تُطمئن القلب أنه ليس وحده من يحاول.

حتى الشكر أحياناً ليس مجرد كلمة..

بل إعتراف خفي بأن ما تفعله لا يمر مرور العابرين.

وتزداد المشكلة حين يظن البعض أن الإنسان القوي المعطاء لا يتعب، ولا يحتاج، وأن من يمنح كثيراً لا ينتظر شيئاً!

فيعتادون عطاءه، ويغفلون عن حاجته، حتى يصبح ما يقدمه أمراً مفروغاً منه!

بينما الحقيقة أن أكثر القلوب عطاء هي أكثرها حاجة للشعور بالتقدير.

ليس لأنهم ضعفاء، بل لأنهم يمنحون من أرواحهم، لا من فائض وقتهم.

والمؤلم أكثر أن الإنسان يستطيع تحمل التعب،

لا تسمحوا لأحد أن يعتاد وجودكم حتى ينسى قيمتكم..

وامنحوا اهتمامكم لمن يبادلكم الاهتمام، وقدروا من يرى عطاءكم نعمة لا أمراً معتاداً

وكأن كل ذلك حق مكتسب للآخرين.

ومع الوقت لا يتوقف الإنسان عن العطاء لأنه تغير..!

بل لأنه تعب من الشعور أن قلبه يعمل وحده.

لهذا…

لا تعطوا أنفسكم حتى الإنهاك فقط لأنكم تجيدون العطاء…

فالقلب أيضاً له حق عليكم.

واعدلوا بين محبتكم للآخرين ومحبتكم لأنفسكم..

ولا تسمحوا لأحد أن يعتاد وجودكم لدرجة ينسى شكركم.

واهتموا بمن يهتم بكم، وقدروا من يبذل لأجلكم..

فبعض الأشخاص لا يرحلون فجأة…

بل ينطفئون بصمت، بعد عمر طويل من المحاولة.

فبعض الأشخاص لا يرحلون لأن محبتهم انتهت..

بل لأن خذلانهم طال أكثر مما يحتمل القلب..

فاحفظوا من يحبكم، وقدروا من يبذل من أجلكم.

فليس كل من يعطي بلا حدود… يبقى إلى الأبد!

← العودة للمشاركات