إعتدنا أن نردد عبارة فاقد الشيء لا يعطيه وكأنها حقيقة مطلقة، كقانون لا يقبل النقاش. نستخدمها لتبرير القسوة، أو لتفسير الغياب، أو لإغلاق باب الأمل في وجه من مر بتجربة فقد. لكن ماذا لو كانت هذه العبارة غير دقيقة بل وربما ظالمة احيانا.
فاقد الشيء هو أكثر من ذاق المه، وأكثر من إختبر فراغه، وأكثر من فهم أثر غيابه في النفس. هو من يعرف كيف يبدو الإحتياج حين لا يلبى، وكيف يترك النقص ظله طويلا في الروح. ولذلك فهو ليس عاجزا عن العطاء بل غالباً أكثر وعياً بقيمته.

يقال: "نحن نعطي الاخرين غالبا ماتمنينا أن يعطى لنا في وقت ما"
من حرم الحنان قد يكون الأصدق في تقديمه، لأنه يعرف تماماً كيف يمكن لكلمة واحدة أو حضور صادق أن يغير حياة كاملة.
ومن ذاق الإهمال قد يكون الأكثر حرصاً على الإهتمام، لانه يعرف وجع أن تكون غير مرئي.
ومن عاش دون دعم قد يصبح أكثر الناس قدرة على أن يكون سنداً، لا عن كمال بل عن فهم.
تشير دراسات نفسية حديثة إلى أن الأشخاص الذين مروا بتجارب فقد عاطفي أو نقص في الاحتياجات الأساسية يطورون في كثير من الحالات مستوى أعلى من التعاطف والوعي العاطفي مقارنة بغيرهم، لأن التجربة علمتهم ما لا تعلمه الوفرة.
الفقد لا يُفرِغ الانسان دائما، أحياناً يعيد تشكيله، يهذبه، يوسع قلبه، ويجعله أكثر حساسية تجاه مشاعر الأخرين.
نعم قد يحتاج فاقد الشيء وقتاً ليشفي نفسه أولاً، لكن حين يفعل يكون عطاؤه نابعاً من عمق التجربة لا من سطح الفكرة.
ربما المشكلة ليست في فاقد الشيء، بل في من لم يختبر الفقد يوماً، فلم يتعلم قيمة ما يملك ولا معنى أن يقدمه.
فاقد الشيء لا يعطيه
إذا كان ما يزال أسير المه
اما إذا وعى فقده وتصالح معه
فهو أكثر من يعرف كيف يعطى، ومتى، ولمن.